الشيخ حسين المظاهري
42
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية
منها قوله تعالى : « إنّ اللَّه لعفوّ غفور » « 1 » وكلمة الغفران بمعناها المرادف للعفو أطلقها اللَّه تعالى على نفسه أيضاً فيما يزيد على ثلاثمأة موردٍ ، بل مسألة التّوبة الّتي هي من أفضل نعم اللَّه على العباد ، من هذا الباب أيضاً . فمن تخلّق بهذا الخلق فقد تخلّق بأخلاق اللَّه تعالى وتشبّه به من هذه الجهة ، وقد أمراللَّه تعالى عباده به ليتشبّهوا به . قال اللَّه تعالى : « خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين » « 2 » بل يظهر من القرآن أنّ غفران اللَّه تعالى يتوقّف على غفران العبد وعفوه ، فلا يشمل غفرانه تعالى إلّامن كان غفوراً عفوّاً . قال تعالى : « وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر اللَّه لكم » « 3 » وقد ذكره تعالى في عداد صفات المتّقين والمحسنين . قال : « وأن تعفوا أقرب للتّقوى » « 4 » وقال : « فاعف عنهم واصفح انّ اللَّه يحبّ المحسنين » « 5 » فطوبى لمن اتّصف بهذه الفضيلة ، فاحبتنى من ثمرات غرسها المثمرة ، فله أن يعفو عمّن أساء اليه ، بل الانتقام منه يكون على خلاف طبعه ، فالقيام به يكون صعباً عليه ، بخلاف من لا يتّصف بهذه الفضيلة فترك الانتقام ممّن ظلمه يكون على خلاف ميله وطبعه ويصعب عليه أن يعفو فضلًا عن أن يصفح . وهذا الكلام لا يختصّ بالعفو والصّفح بل يجرى في كلّ الفضائل والرّذائل . ألا ترى أنّ يوسف عليه السلام إذا عرفه اخوته قال : « لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللَّه لكم و
--> ( 1 ) - الحجّ / 60 والمجادلة / 2 ( 2 ) - الأعراف / 199 ( 3 ) - النّور / 22 ( 4 ) - البقرة / 237 ( 5 ) - المائدة / 13